أحمد بن محمود السيواسي
288
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 82 ] لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( 82 ) ثم أخبر عن صعوبة إجابة اليهود إلى الحق وعن سهولة ميل النصارى إلى الإسلام بقوله ( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً ) تمييز ، والعامل فيه « أَشَدَّ » ، أي بغضا ( لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ ) نصبه مفعول ثان « 1 » لتجدن » « 2 » ، والأول « أَشَدَّ » ، وهم « 3 » بنو قريظة والنضير وأصحابهم ، قوله ( وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ) نصب ، عطف على « الْيَهُودَ » ، يعني مشركي العرب « 4 » كاليهود في شدة العداوة للنبي والمؤمنين ( وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ ) أي أقرب الناس ( مَوَدَّةً ) تمييز ، يتعلق به قوله ( لِلَّذِينَ آمَنُوا ) « 5 » والمفعول الثاني لقوله « لتجدن » ( الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ) وهم الذين كانوا في عهد النبي عليه السّلام ، ثم علل سهولة ميلهم وقرب مودتهم للمؤمنين بقوله ( ذلِكَ ) مبتدأ ، خبره ( بِأَنَّ مِنْهُمْ ) أي قرب مودتهم لأهل الإيمان بسبب أن منهم ( قِسِّيسِينَ ) أي علماء خائفين ( وَرُهْباناً ) أي عبادا زاهدين ، وفيه دليل على أن العلم والزهد أنفع شيء وأهداه لصاحبهما « 6 » ولو كان كافرا ، قوله « 7 » ( وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ) [ 82 ] محله جر عطف على « أن » ، أي بأنهم لا يتعظمون عن الإيمان بالحق « 8 » . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 83 ] وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ( 83 ) ( وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ ) من القرآن ( تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ ) أي تسيل بالامتلاء ( مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ) أي لأجل الذي عرفوه من الصدق فيه ، ف « من » الأولى لابتداء الغاية والثاني للعلة والثالثة للبيان ، لأنهم عرفوا أن محمدا كما هو نعته في كتابهم ، والمراد منهم وفد النجاشي الذين جاؤوا إلى النبي عليه السّلام ، وكانوا سبعين رجلا ، فلما سمعوا القرآن الذي قرأه النبي عليه السّلام عليهم ، وهو سورة يسن رقت قلوبهم وفاضت أعينهم بالدمع ( يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا ) والجملة حال من ضمير « عرفوا » ، أي قائلين صدقنا بمحمد والقرآن ( فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ) [ 83 ] أي المقرين بنبوة محمد عليه السّلام وكتابه ، وهم المهاجرون والأنصار . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 84 ] وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ( 84 ) ثم عيرهم اليهود بالإيمان ، فقالوا منكرين عليهم « 9 » ( وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ ) وحده ، وكانوا مثلثين قبله ( وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ ) أي وبالذي « 10 » نزل بنا من القرآن ( وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ) [ 84 ] أي الموحدين المطيعين في الجنة . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 85 ] فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ ( 85 ) ( فَأَثابَهُمُ اللَّهُ ) أي فجزاهم ( بِما قالُوا ) من التوحيد بالإخلاص ( جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ ) [ 85 ] أي ثواب الموحدين المطيعين . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 86 ] وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ( 86 ) ثم بين عقوبة من لم يؤمن منهم وأصر على كفره بقوله ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا ) وماتوا على ذلك ( أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ) [ 86 ] أي النار الشديدة الوقود .
--> ( 1 ) ثان ، ب م : ثاني ، س . ( 2 ) « لتجدن » ، س : لتجدوا ، م ، لتجد ، ب . ( 3 ) والأول « أشد » وهم ، ب م : وأوله « أشد » وهو ، س . ( 4 ) مشركي العرب ، س م : مرشركو العرب ، ب . ( 5 ) آمنوا ، ب م : آمنوا الذين ، س . ( 6 ) لصاحبهما ، ب م : لأصحابهما ، س . ( 7 ) قوله ، ب م : - س . ( 8 ) بالحق ، ب س : - م . ( 9 ) عليهم ، س م : عليه ، ب . ( 10 ) أي وبالذي ، ب س : أي والذي ، م .